اللواءبهاء بعلوشة
تقرير صحفيسياسةاجتماعيمهني

بهاء مصباح يوسف بعلوشة.. رجلٌ جعل من الاستقرار وخدمة الإنسان طريقاً للسلام

4 دقائق قراءةكتب المعلومات الشخصية: الصحفي سامي قاسم
بهاء مصباح يوسف بعلوشة.. رجلٌ جعل من الاستقرار وخدمة الإنسان طريقاً للسلام

في زمنٍ أصبحت فيه الأزمات الفلسطينية تتجاوز حدود السياسة والأمن، لتطال البيت والجامعة والمدرسة ولقمة العيش، تظهر قيمة الشخصيات التي اختارت أن تضع الإنسان في قلب مسؤولياتها، وأن تجعل من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي مدخلاً لحماية المجتمع وتعزيز قدرته على الصمود.

ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم بهاء مصباح يوسف، الذي ارتبطت تجربته، وفق شهادات متداولة بين شرائح المجتمع عن مسيرته، بالعمل الهادئ لخدمة شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، بعيداً عن الأضواء والضجيج الإعلامي.

كان شعاره: الاستقرار يبدأ من حياة الإنسان

لم ينظر بهاء مصباح يوسف إلى الاستقرار باعتباره قضية أمنية أو سياسية فقط، بل تعامل معه باعتباره منظومة تبدأ من حياة المواطن اليومية.

فالأسرة التي تفقد منزلها أو يتضرر جزء منه بفعل الحروب تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، والطالب الذي يعجز والداه عن دفع رسومه الجامعية يحتاج إلى من يساعده على الاستمرار في التعليم، والمريض يحتاج إلى من يسانده في رحلة العلاج.

ومن هذا المنطلق، تبلورت لديه رؤية تربط بين الاستقرار والاقتصاد والخدمة الاجتماعية؛ لأن المجتمع الذي يشعر أفراده بأن هناك من يقف إلى جانبهم في أوقات الشدة يكون أكثر قدرة على الصمود والحفاظ على تماسكه.

بيوت دمرتها الحروب.. ويد تمتد لإعادة الحياة

ومن أبرز الجوانب الإنسانية التي ارتبطت باسمه قيامه بالمساهمة في إعادة تأهيل وتصميم عدد من المنازل التي تعرضت لأضرار جزئية نتيجة الحروب، في محاولة لمساعدة أصحابها على العودة إلى بيوتهم واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية.

لم تكن إعادة ترميم جدار أو إصلاح المنازل بالنسبة للأسر المتضررة مجرد عمل هندسي؛ فالبيت بالنسبة للفلسطيني يمثل الأمان والخصوصية والذكريات والانتماء.

ولهذا، فإن المساهمة في إعادة تأهيل منزل متضرر تعني، في جوهرها، المساهمة في إعادة بناء شعور الأسرة بالأمان والاستقرار.

عشرات الحالات العلاجية.. بعيداً عن الكاميرات

كما ارتبط اسمه، بحسب ما يُروى عن مسيرته الإنسانية، بمساعدة عشرات الحالات المرضية، وتقديم الدعم لمن احتاج إلى العلاج أو الرعاية.

واللافت في هذه الأعمال أنها لم تُقدَّم، كما يصفها من يعرفون هذه التجربة، باعتبارها وسيلة للظهور أو تحقيق مكاسب إعلامية، وإنما جرت في كثير من الأحيان بعيداً عن الكاميرات.

وهنا تكمن قيمة مختلفة للعمل الإنساني: أن تقدم المساعدة لأن هناك إنساناً يحتاج إليها، لا لأن هناك جمهوراً ينتظر مشهداً أو صورة.

سنوات من دفع الرسوم الدراسية للطلاب

ولعل من أكثر الملفات دلالة على هذا النهج مساعدة الطلاب في دفع الرسوم المدرسية والجامعية على مدار سنوات.

فالتعليم بالنسبة للأسرة محدودة الدخل قد يتحول أحياناً إلى عبء يفوق قدرتها، وقد يجد الطالب نفسه مهدداً بترك مقاعد الدراسة بسبب رسوم لا تستطيع أسرته توفيرها.

وفي مثل هذه الحالات، كانت المساعدة في دفع الرسوم تعني أكثر من تسديد مبلغ مالي؛ كانت تعني إعطاء الطالب فرصة أخرى للاستمرار، والحفاظ على مستقبله، وعدم السماح للظروف الاقتصادية بأن تكون سبباً في حرمانه من التعليم.

مساعدة لا تبحث عن التصفيق

ربما تكون أكثر العبارات التي تختصر هذه التجربة هي: العطاء بصمت.

فعلى مدار سنوات، جرت هذه المساعدات بعيداً عن الضجيج، ودون تحويل معاناة الناس إلى مادة للاستعراض.

وهذا النوع من العمل يترك أثراً مختلفاً؛ لأن الإنسان المحتاج لا يريد أن تتحول حاجته إلى قصة يتداولها الآخرون، بل يريد أن يجد من يحفظ كرامته ويقدم له العون دون أن يشعره بأنه مدين لأحد.

الشباب والعمال والفقراء وذوو الإعاقة

لم تقتصر هذه النظرة على فئة واحدة من المجتمع، بل امتدت إلى شرائح مختلفة، من الطلاب والشباب إلى العمال والأسر الفقيرة والمحتاجين والأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة.

وهنا يصبح العمل الاجتماعي جزءاً من مفهوم أوسع للاستقرار: أن يشعر كل فرد، مهما كان موقعه الاجتماعي أو الاقتصادي، بأنه جزء من المجتمع وأن له حقاً في الحياة الكريمة والتعليم والعلاج والسكن.

حين يتحول الموقع إلى مسؤولية

المناصب والصلاحيات يمكن أن تكون مجرد أدوات إدارية، لكنها تصبح ذات قيمة عندما تتحول إلى خدمة حقيقية للناس.

وتشير هذه التجربة إلى أن بهاء مصباح يوسف حاول أن يجعل من موقعه وإمكاناته وسيلة للوصول إلى الناس ومساعدتهم، وأن يربط بين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وبين بناء بيئة أكثر هدوءاً وقدرة على تحمل الأزمات.

فالسلام لا يبدأ دائماً من قاعات المفاوضات؛ أحياناً يبدأ من بيت يُعاد ترميمه، وطالب يستمر في جامعته، ومريض يجد من يساعده، وأسرة فقيرة تحفظ كرامتها، وشخص من ذوي الإعاقة يجد من يقف إلى جانبه.

إنسان قبل أن يكون مسؤولاً

وفي المحصلة، فإن الصورة التي ترسمها هذه الأعمال عن بهاء مصباح يوسف بعلوشة هي صورة رجل يرى أن قيمة المسؤولية لا تقاس فقط بما يملكه صاحبها من صلاحيات، وإنما بما يقدمه للناس من أثر.

إن إعادة تأهيل بيت متضرر، ومساعدة مريض، ودفع رسوم طالب لسنوات، والوقوف إلى جانب الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، كلها أعمال قد لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة أصحابها.

وفي عالم يعلو فيه صوت المظاهر، يبقى العطاء الذي يتم بصمت أحد أكثر أشكال المسؤولية الإنسانية صدقاً، لأن بعض الأعمال لا تحتاج إلى كاميرا كي تكون عظيمة، يكفي أن تغيّر حياة إنسان.

لك كل الحب يا بهاء المساكين والفقراء.

كتب المعلومات الشخصية: الصحفي سامي قاسم