اللواءبهاء بعلوشة
منشور

#السابع_من_أكتوبر

3 دقائق قراءة
#السابع_من_أكتوبر

حين وصلت الإشارة ولم يسمعها أحد.

كانت الساعات تمضي ثقيلة.

ساعات من الاتصالات، والاستشارات، والاستطلاعات، والطلعات الجوية.

وسطاء يتحركون، وعروض تُطرح، وصفقات تُختبر، وأوراق تنتقل من يد إلى أخرى.

كان السؤال واحداً، يتكرر خلف الأبواب المغلقة: • ماذا يريدون؟ • ماذا نقدم لهم؟

وهل هم جادون؟

وفي الغرف المغلقة، كان الجميع يبحث عن إجابة تطمئنهم، لا عن إجابة تقلقهم.

ثم وصلت الإشارة.

انتقل الخبر لمن يهمة الأمر.

طارت الأوراق، وتسابق الدبلوماسيون، واشتعلت الهواتف المشفرة.

قرعت الطبول في كل العواصم، و سُلطت الأضواء على الخرائط، فهم القوم بسيلٍ من الإتصالات واللقاءات .

بينما تُترك المعلومة الأهم في الهوامش.

كان هناك من يسأل: ماذا يحدث؟

وكان ينبغي أن يكون السؤال الأفضل.

ماذا لو كان ما يحدث أكبر مما نعتقد؟

يتصل رسول أمين، يسأل بقلق: ماذا تتوقعون يا قوم؟

فيأتيه الرد الذي يشبه الاطمئنان أكثر مما يشبه التقدير: • صباح العيد ساعات وتمضي، ثم سيبكون. • وهنا كانت الكارثة. • فحين يتحول التقدير إلى قناعة، تتحول القناعة إلى عمى. • لم تكن المشكلة في نقص المعلومات وحدها بل في الطريقة التي قُرئت بها المعلومات. • الإشارات موجودة، الحركة موجودة، الاتصالات موجودة.

لكن العقل الذي يفسرها كان أسيراً لصورة نمطيه مسبقة ؟

ردعٌ قوي، منظومة مراقبة متقدمة، إنذار مبكر، تفوق جوي، وحسابات يُفترض أنها تجعل المفاجأة الكبرى مستحيلة.

لكن التاريخ لا يرحم من يخلط بين إمتلاك المعلومات وفهمها.

ثم جاء الفجر والنذير.

وصلت آلاف مؤلفة من الشباب والفتيا إلى نقاط المواجهة، وانفتح المشهد على مصرعيه بصدمة غير مسبوقة .

إشتعلت جبهة غزة، وإنكسرت في الساعات الأولى صورة الأمن المحكم، والجندي الذي لايقهر وتدافعت الأخبار أسرع من قدرة غرف القرار على إستيعابها.

لم يعد السؤال كما السابق : هل هم جادون؟

أصبح السؤال الواقع الأن : كيف لم نرَ هذا قادماً؟

في تلك اللحظة، لم تكن المأساة مأساة عسكرية فقط، بل مأساة استخبارية وسياسية ونفسية ودينية بالشكل والمضمون.

فالإنذار الذي لا يُصدَّق لا يختلف كثيراً عن الإنذار الذي لم يصل.

والمعلومة التي تُدفن تحت طبقات من الافتراضات تصبح عبئاً على من يملكها.

والتفوق التقني والعسكري لا يحمي دولة إذا أخطأ أصحاب القرار في تفسير ما تقوله لهم أجهزتهم.

كان السابع من أكتوبر، قبل كل شيء، انفجاراً في جدار اليقين لكل قارئ.

إنهارت في ساعات الأولي كثيراً من المسلمات التي بُنيت خلال سنوات الماضية .

أن الخصم مردوع.

أن الحدود محكمة.

أن السماء ترى كل شيء.

أن الإنذار المبكر يمنع المفاجأة.

وأن الطرف الآخر لن يجرؤ على الذهاب بعيداً.

لكن أخطر ما في المفاجأة ليس أنها حدثت.

بل أن أحداً لم يكن مستعداً لتصديق أنها يمكن أن تحدث.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية لسابع من أكتوبر كيومٍ مشهود.

ليست قصة صباح واحد فقط، ولا قصة حدود إخترقت، ولا منظومات تعطلت، ولا غرف عمليات إرتبكت.

لابل إنها قصة منظومة كاملة اعتقدت أنها تعرف خصمها، ثم اكتشفت في اللحظة الأصعب أنها كانت تعرف الكثير عن تحركاته، لكنها لم تفهم نواياه وإرادته.

وهذا هو الدرس الذي سيبقى أثقل من كل العناوين: في عالم الاستخبارات، لا تكفي كثافة المعلومات من مصادرها المتعددة.

السؤال الحاسم هو: من يملك الشجاعة ليصدق المعلومة التي تهدم قناعته؟

في السابع من أكتوبر، وصلت إشارات كثيرة.

لكن الإشارة الأخطر كانت في مكان آخر: أن الثقة الزائدة قد تكون أخطر من نقص المعلومات.

مشاهدة المنشور الأصلي